قد نتذكر معلمًا لأنه شرح لنا فكرة استعصت علينا، أو لأنه انتبه إلى سؤال لم نجرؤ على طرحه. وفي هذه المواقف يتضح جانب من فضل المعلم:فهو لا يقدم كلمات نكتبها في الدفتر فحسب، بل يرافق محاولة الفهم، ويعيد ترتيب الدرس حين يحتاج الطلاب إلى طريق أوضح. وتقدير هذا الجهد يبدأ من معرفة ما يفعله، لا من الاكتفاء بعبارات الثناء.
عمل وراء الدرس
نرى المعلم داخل الفصل، لكن الدرس يحتاج إلى إعداد قبل أن نسمعه. فاختيار مثال مناسب، وترتيب الأفكار، وتجهيز نشاط، ومراجعة أعمال الطلاب، كلها صور من عمله التعليمي. وقد تكون الإجابة قصيرة في نظر الطالب، بينما يحتاج بيان سببها إلى خطوات وأسئلة وأمثلة. لذلك لا يصح أن نختزل قيمة المعلم في سرعة إلقائه للمعلومات أو في كثرة الصفحات التي ينهيها.
ومن صور التعليم الذي نحتاجه أن يجد السؤال مكانًا في الفصل. فإذا قال طالب إنه لم يفهم، أمكن للمعلم أن يسأله عن الجزء الذي توقف عنده، أو يعرض الفكرة بطريقة أخرى. ولا يعني ذلك أن لكل سؤال جوابًا جاهزًا في اللحظة نفسها؛فمن الأمانة أن يوضح المعلم ما يحتاج إلى مراجعة، ثم يعود إليه. هكذا يرى الطالب أن التثبت لا يقل قيمة عن المعرفة.
التصحيح مساعدة لا إحراج
لنتخيل طالبًا كتب فقرة بأفكار جيدة، لكن ترتيبها أربك القارئ. عبارة مثل«كتابتك ضعيفة»لا تخبره بما يستطيع تحسينه. أما أن يبين له المعلم أين يبدأ بفكرته، وأي جملة تحتاج إلى توضيح، فذلك يقدم له خطوة يعمل عليها. في هذا المثال يظهر فضل التوجيه المحدد:لا يحل المعلم المهمة بدل الطالب، ولا يتركه أمام حكم عام يعجز عن الاستفادة منه.
ومن التقدير المتبادل أن يكون الخطأ فرصة للتعلم دون سخرية. فاحترام المعلم لا يستلزم إحراج الطالب، كما أن احترام الطالب لا يلغي حق المعلم في إدارة الدرس وتوضيح ما يحتاج إلى تصحيح. ويمكن أن نختلف في إجابة أو نسأل عن ملاحظة بأسلوب هادئ، دون أن يتحول النقاش إلى تقليل من جهد أحد.
شكر يظهر في التعامل
نستطيع أن نشكر معلمينا بكلمات صادقة تصف موقفًا محددًا:شرح ساعدنا، أو وقت خُصص لسؤال، أو ملاحظة أفادت عملنا. ويمكن أن يظهر التقدير أيضًا في الإنصات، والاستعداد للمشاركة، والمحافظة على هدوء يسمح للآخرين بالتعلم. ولا ينبغي أن يصبح الشكر منافسة في المبالغة؛فعبارة بسيطة نعنيها أصدق من وصف لا يعبر عن تجربتنا.
مسؤولية لا يحملها وحده
للمعلم مكانة في التعليم، لكنه لا يعمل بعيدًا عن المدرسة والأسرة. وهو يحتاج إلى إعداد ودعم وفرص للتطور، كما يحتاج إلى بيئة يستطيع فيها أداء عمله. ومن الإنصاف ألا نطلب منه وحده حل كل صعوبة يواجهها الطالب. فالتواصل الواضح حول ما يحتاجه المتعلم، ومتابعة ما يمكن عمله، أجدى من تبادل اللوم أو توقع نتائج متطابقة من الجميع.
وفي الختام، فضل المعلم يظهر في جهد يفتح بابًا للفهم، وفي توجيه يترك للطالب فرصة المحاولة من جديد. وحين نقدر هذا الجهد بتعامل مسؤول وشكر صادق، تصبح مكانة المعلم معنى نمارسه في الفصل وخارجه، لا كلمات نقولها ثم ننساها.